سيد محمد طنطاوي
230
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي : قوله * ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * أي : إن كنتم من أهل العلم والتمييز . فالفعل منزل منزلة اللازم . وقيل : متعد ، والمفعول محذوف ، وهو فضل ما بين العوضين ، والأول أبلغ ومستغن عن التقدير « 1 » . ثم أضاف - سبحانه - إلى ترغيبهم في العمل بما يرضيه ترغيبا آخر فقال : * ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّه باقٍ ) * . أي : ما عندكم من متاع الدنيا وزهرتها يفنى وينقضي ويزول ، وما عند اللَّه - تعالى - في الآخرة من عطاء باق لا يفنى ولا يزول ، فآثروا ما يبقى على ما ينفد . يقال : نفد الشيء بكسر الفاء - ينفد - بفتحها - نفادا ونفودا ، إذا ذهب وفنى . ثم بشر - سبحانه - الصابرين على طاعته بأعظم البشارات فقال : * ( ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * . أي : ولنجزين الذين صبروا على طاعتنا ، واجتنبوا معصيتنا ، ووفوا بعهودنا ، بجزاء أفضل وأكرم مما كانوا يعملونه في الدنيا من خيرات وطاعات . وأكد - سبحانه - هذه البشارة بلام القسم ، ونون التوكيد ، لترغيبهم في الثبات على فضيلة الصبر ، وعلى الوفاء بالعهد . قال الجمل ما ملخصه : وقوله * ( أَجْرَهُمْ ) * مفعول ثان لنجزى . وقوله * ( بِأَحْسَنِ ) * نعت لمحذوف ، أي : بجزاء أحسن من عملهم الذي كانوا يعملونه في الدنيا ، والباء بمعنى على « 2 » . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين الذين يحرصون على العمل الصالح فقال - تعالى - : * ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيِّبَةً ، ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * . أي : من عمل عملا صالحا ، بأن يكون خالصا لوجه اللَّه - تعالى - وموافقا لما جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم سواء أكان هذا العامل المؤمن ذكرا أم أنثى ، فلنحيينه حياة طيبة ، يظفر معها بصلاح البال ، وسعادة الحال . وقال - سبحانه - : * ( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) * مع أن لفظ « من » في قوله : * ( مَنْ عَمِلَ ) *
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 224 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 596 .